وهواه على عقله، فانتكس رأيُه فرأى الباطلَ حقًّا والقُبْحَ حَسَنًا، كمَن لم يُزيَّن له، بل وُفِّقَ للنَّظر الصَّحيح فعرفهما، ورأى (¬١) الحقَّ حقًّا فاستحسنه (¬٢) واختاره، ورأى الباطلَ باطلًا فاستقبحه وتركه.
والهمزة للإنكار دخلَتْ على الفاء العاطفة لإنكار الجهلِ وفقدِ النَّظرِ والتَّمييزِ، أي: أبعدَ ما تبيَّنَ (¬٣) عاقبةُ الفريقَيْن مَن فقَدَ التَّمييز واتَّبعَ الشَّيطان، فرأى القبيحَ الذي زُيِّنَ له حَسنًا كَمَنْ ليسَ كذلك.
وإنَّما حذفَ الجوابَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عليه.
وقالَ الزَّجَّاج: الجواب: ذهبَتْ نفسُكَ (¬٤) عليهم حسرةً، فحذفَ لدلالة: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (¬٥)؛ أي: فلا تُهلك نفسَك للحسرات.
و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلةُ ﴿تَذْهَبْ﴾، كقولِكَ: هلكَ عليه حبًّا، أو بيانٌ للمتحسَّرِ عليه، ولا يجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ لأنَّ صلة المصدر لا تتقدَّم عليه، ويجوز أن يكون حالًا (¬٦) على أنَّها كلَّها صارَتْ حسراتٍ لفرط التَّحسُّرِ.