وحاصله: أن قميصَ الميت لا يجب أن يكون مِثْل الحيّ، بل يجوزُ مكفوفًا أو غيرَ مكفوف، بخلاف قميص الحيّ، فإنه يكونُ مكفوفًا (ترباهوا). وهذا يُشْعِر بأن القميصَ في ذِهْنه يكون مَخِيطًا، وهو ظَاهِرُ فِقْهِ الحنفية، وإنْ كان العملُ بخلافِهِ، كما مرَّ معنا البحث فيه.
١٢٦٩ - قوله: (أَعْطِني قَمِيْصَك) ... إلخ. قلتُ: ولا بأسَ بإعطاءِ القميص مُرُوءَةً. وقيل (¬١): أَرَادَ به أن يُكَافىء قميصه الذي كان كَسَاه عباسًا يوم بدر، فإنَّه إذ جاءَ أسيرًا في أُسراءِ بَدْر لم تكن عليه ثيابٌ، وكان طويلَ القامةِ فلم يَصْلُح له غيرُ قميصِ عبدِ اللَّه - فإنه كان طويلا - فكان أعطاه إيَّاه، فأراد النبيُّ ﷺ أن يكافئه في الدنيا. وقيل: أَسَلم يومئذٍ أَلْفٌ من المنافقين لأَجْلِ هذا الإحسان.
ثم في «الفتح»: أَنَّ عبدَ الله كان أَوْصَى ابنه - واسمه أيضًا عبد الله - أن يَسْأَل النبيَّ ﷺ عن قَميصه ليُكفَّنَ فيه. ولا بُعْد في أن يكون حصل له تصديقٌ اضطراري، ثُم استمرَّ به حتى رَسَخِ ببواطنِهِ قبل وفاته، إلا أنَّ الأُمةَ كافةً لَقَّبته برأس المنافقين. وقد كان حَسَد النبيَّ ﷺ في أول أَمْرِهِ، لأن أَهْلَ المدينةِ قبل مَقْدَمِه ﷺ كانوا أرادوا أن يجعلُوه رئيسَهم، فَلَمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ وهاجر إليهم، صار هو الأمير. كيف لا وقد كان أميرًا في الأرواح، وفي مسجد بيت المَقْدِس عند مُجْتَمع النَّبيين وسوف يكون أميرًا في المَحْشَر أيضًا، فلم يزل هذا المنافقُ يغتمُّ له، ثُم اللَّهُ يَدْري إلى ما آل إليه أَمْرُه.
١٢٦٩ - قوله: (أَنَا بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ). وفي الروايات: إني لا أزيدُ على السبعين. ومَرَّ عليه الغزالي رحمه الله تعالى في «المُسْتَصْفَى» ولم يبلغ حَقِيْقَتَهُ وقال: إنَّ الآية لا يُفْهَمُ منها التخييرُ أصلا، فكيف يمكن أن يكون النبيُّ ﷺ فَهِمه؟ ثم حكم عليه بالوَضْع. قلتُ: سبحانَ الله، كيف وهو حديثٌ في صحيحِ البخاري؟ والحَلُّ أنه من بابِ البلاغة (¬٢)، وهو تلقي المخاطَب بما لا يترقَّب. فإنَّ النبيَّ ﷺ لما لم يُنْه عن الصلاةِ عليه صراحةً مَشَى على مُحْتَمل اللفظ، وليس فيه