وهذا مذهبُ مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ القولُ الذي أدْرَكَ عليهِ أهلَ العلمِ، حتَّى قالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِن أصحابِهِ: يُكْرَهُ الأمرُ بفطرِهِ؛ لئلَّا يُعْتَقَدَ وجوبُ الفطرِ قبلَ الشَّهرِ كما وَجَبَ بعدَهُ، وحَكى ابنُ عَبْدِ البَرِّ هذا القولَ عن أكثرِ علماءِ الأمصارِ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ ناصِرٍ الحافظُ أن هذا هوَ مذهبُ أحْمَدَ أيضًا، وغُلِّطَ في نقلِهِ هذا عن أحْمَدَ.
ولكنْ يُشْكِلُ على هذا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ وقولُهُ: "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" (¬١).
وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في كتابِهِ "مختلف الحديث" احتمالًا في معنى قولِهِ "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" وفي روايةٍ "إلَّا أنْ يُوافِقَ ذلكَ صومًا كانَ يَصومُهُ أحدُكُم": أن المرادَ بموافقةِ العادةِ صيامُهُ على عادةِ النَّاسِ في التَّطوُّعِ بالصِّيامِ دونَ صيامِهِ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ للاحتياطِ (¬٢).
* وقالَتْ طائفةٌ: سرُّ الشَّهرِ؛ أوَّلُهُ.
وخَرَّجَ أبو داوودَ في بابِ تقدُّمِ رمضانَ (¬٣) مِن حديثِ مُعاوِيَةَ، أنَّهُ قالَ: إنِّي متقدِّمٌ الشَّهرَ، فمَن شاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ. فسُئِلَ عن ذلكَ، فقالَ: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقولُ: "صوموا الشَّهرَ وسرَّهُ" (¬٤). ثمَّ حَكى أبو داوودَ عن الأوْزاعِيِّ وسَعيدِ بن عَبْدِ العَزيزِ أن سرَّ الشَّهرِ أوَّلُهُ. قالَ أبو داوودَ: وقالَ بعضُهُم: سرُّهُ وسطُهُ.