مِن قيامِهِ السَّهرُ" (¬١).
وسرُّ هذا أنَّ التَّقرُّبَ إلى اللهِ تَعالى بتركِ المباحاتِ لا يَكْمُلُ إلَّا بعدَ التَّقرُّبِ إليهِ بتركِ المحرَّماتِ، فمَنِ ارْتكبَ المحرَّماتِ ثمَّ تَقَرَّبَ بتركِ المباحاتِ؛ كانَ بمثابةِ مَن يَتْرُكُ الفرائضَ ويَتَقَرَّبُ بالنَّوافلِ، وإنْ كانَ صومُهُ مجزئًا عندَ الجمهورِ بحيثُ لا يُؤْمَرُ بإعادتِهِ؛ لأنَّ العملَ إنَّما يَبْطُلُ بارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ فيهِ بخصوصِهِ دونَ ارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ لغيرِ معنًى يَخْتَصُّ بهِ. هذا هوَ أصلُ جمهورِ العلماءِ.
وفي "مسند الإمام أحْمَد": أنَّ امرأتينِ صامَتا في عهدِ النَّبيِّ ﷺ، فكادَتا أنْ تَموتا مِن العطشِ، فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فأعْرَضَ، ثمَّ ذُكِرَتا لهُ فدَعاهُما وأمَرَهُما أنْ يَتَقَيَّأا، فقاءَتا ملءَ قدحٍ قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا عبيطًا. فقالَ النبي ﷺ: "إن هاتينِ صامَتا عمَّا أحَلَّ اللهُ لهُما، وأفْطَرَتا على ما حَرَّمَ اللهُ عليهِما، جَلَسَتْ إحداهُما إلى الأُخرى، فجَعَلَتا يَأْكُلانِ لحومَ النَّاسِ" (¬٢).