ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - وَرَدَ في القرآنِ بعدَ ذكرِ تحريمِ الطَّعامِ والشَّرابِ على الصَّائمِ بالنَّهارِ ذكرُ تحريمِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ؛ فإنَّ تحريمَ هذا عامٌّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بخلافِ الطعامِ والشَّرابِ، فكانَ إشارةً إلى أن مَنِ امْتَثَلَ أمرَ اللهِ في اجتنابِ الطعامِ والشَّرابِ في نهارِ صومِهِ؛ فلْيَمْتَثِلْ أمرَهُ في اجتنابِ أكلِ الأموالِ بالباطلِ؛ فإنَّهُ محرَّمٌ بكلِّ حالٍ لا يُباحُ في وقتٍ مِن الأوقاتِ. واللهُ أعلمُ.
• وقولُهُ ﷺ: "وللصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ":
* أمَّا فرحةُ (¬١) الصَّائمِ عندَ فطرِهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ مجبولة على الميلِ إلى ما يُلائِمُها مِن مطعمٍ ومشربٍ ومنكحٍ، فإذا مُنِعَتْ مِن ذلكَ في وقتٍ مِن الأوقاتِ، ثمَّ أُبيحَ لها في وقتٍ آخرَ؛ فَرِحَتْ إباحةِ ما مُنِعَتْ منهُ، خصوصًا عندَ اشتدادِ الحاجةِ إليهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ تَفْرَحُ بذلكَ طبعًا، فإنْ كانَ ذلكَ محبوبًا للهِ؛ كانَ محبوبًا شرعًا، والصَّائمُ عندَ فطرِهِ كذلكَ، فكما أنَّ الله تَعالى حَرَّمَ على الصَّائمِ في نهارِ الصَّومِ تناولَ هذهِ الشَّهواتِ فقد أذِنَ لهُ فيها في ليلِ الصِّيامِ، بل أحَبَّ منهُ المبادرةَ إلى تناولِها في أوَّلِ الليلِ وآخرِهِ، فأحبُّ عبادِهِ إليهِ أعجلُهُم فطرًا، واللهُ وملائكتُهُ يُصلُّونَ على المتسحِّرينَ.