والمرادُ بهذا أنَّ للهِ حكمةً في إلقاءِ الغفلةِ على قلوبِ عبادِهِ أحيانًا حتَّى يَقَعَ مِنهم بعضُ الذُّنوبِ؛ فإنَّهُ لوِ اسْتَمَرَّ [تْ] لهُمُ اليقظةُ التي يكونونَ عليها في حالِ سماعِ الذِّكرِ؛ لَما وَقَعَ منهُم ذنبٌ. وفي إيقاعِهِم في الذُّنوبِ أحيانًا فائدتانِ عظيمتانِ (¬١):
إحداهما: اعترافُ المذنبينَ بذنوبِهِم وتقصيرِهِم في حقِّ مولاهُم وتنكيسُ رؤوسِ عُجْبِهِم، وهذا أحَبُّ إلى اللهِ مِن فعلِ كثيرٍ مِن الطَّاعاتِ؛ فإنَّ دوامَ الطَّاعاتِ قدْ يوجِبُ لصاحبِها العُجْبَ.
وفي الحديثِ: "لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَخَشِيتُ عليكُم ما هوَ أشدُّ مِن ذلكَ؛ العُجْبَ" (¬٢).
قالَ الحَسَن: لو أن ابنَ آدمَ كلَّما قالَ أصابَ وكلَّما عَمِلَ أحْسَنَ؛ أوْشَكَ أنْ يُجَنَّ مِن العُجْبِ.
قالَ بعضُهُم: ذنبٌ أفْتَقِرُ بهِ إليهِ أحَبُّ إليَّ مِن طاعةٍ أدلُّ بها عليهِ.
أنينُ المذنبينَ أحَبُّ إليهِ مِن زَجَلِ المسبِّحينَ (¬٣)؛ لأنَّ زَجَلَ المسبِّحينَ ربَّما شابَهُ الافتخارُ، وأنينُ المذنبينَ يَزِينُهُ الانكسارُ والافتقارُ.