بعضُ العارفينَ: طالَتْ عليَّ الأيَّامُ والليالي بالشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ. وقالَ بعضُهُم: طالَ شوقي إليكَ فعَجِّلْ قدومي عليكَ. وقالَ بعضُهُم: لا تَطيبُ نفسي بالموتِ إلَّا إذا ذَكَرْتُ لقاءَ اللهِ؛ فإنَّني أشْتاقُ حينئذٍ إلى الموتِ، كشوقِ الظَّمآنِ الشَّديدِ ظمؤُهُ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ حرُّهُ إلى الماءِ الباردِ الشَّديدِ بردُهُ.
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
أشْتاقُ إليْكَ يا قَريبًا نائي … شَوْقَ الظَّامي إلى زُلالِ الماءِ
وقد دَلَّ على جوازِ ذلكَ قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دونِ النَّاسِ فتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وقولُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذينَ هادوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكمْ أوْلِياءُ لِلهِ مِنْ دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدَلَّ ذلكَ على أن أولياءَ اللهِ لا يَكْرَهونَ الموتَ بل يَتَمَنَّوْنَهُ، ثمَّ أخْبَرَ أنَّهُم ﴿لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْديهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدَلَّ على أنَّهُ إنَّما يَكْرَهُ المَوْتَ مَن له ذنوبٌ يَخافُ القدومَ عليها، كما قالَ بعضُ السَّلفِ: ما يَكْرَهُ الموتَ إلَّا مريبٌ (¬١).