اشْتُهِرَ بعضُ الصَّالحينَ بكثرةِ الصِّيامِ، فكانَ تقومُ يومَ الجمعةَ في مسجدِ الجامعِ فيَأْخُذُ إبريقَ الماءِ فيَضَعُ بُلْبُلَتَهُ (¬١) في فيهِ ويَمَصُّها والنَّاسُ يَنْظُرونَ إليهِ ولا يَدْخُلُ حلقَهُ منهُ شيءٌ؛ لِيَنْفِيَ عن نفسِهِ ما اشْتُهِرَ بهِ مِن الصَّومِ.
كم يَسْتُرُ الصَّادقونَ أحوالَهُم وريحُ الصِّدقِ يَنُمُّ عليهِم!
ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً.
كَمْ أكْتُمُ حُبَّكُمْ عَنِ الأغْيارِ … وَالدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوى أسْراري
كَمْ أسْتُرُكُمْ هَتكْتُم أسْتاري … مَنْ يُخْفي في الهَوى لَهيبَ النَّارِ
ريحُ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، فكلَّما اجْتَهَدَ صاحبُهُ على إخفائِهِ؛ فاحَ ريحُهُ للقلوبِ فتَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ، وربَّما ظَهَرَ بعدَ الموتِ ويومَ القيامةِ.
فَكاتِمُ الحُبِّ يَوْمَ البَيْنِ مُنْهتِكٌ … وَصاحِبُ الوَجْدِ لا تَخْفى سَرائِرُهُ
لمَّا دُفِنَ عَبْدُ اللهِ بنُ غالِبٍ؛ كانَ يَفوحُ مِن ترابِ قبرِهِ رائحةُ المسكِ، فرُئِيَ في المنامِ، فسُئِلَ عن تلكَ الرَّائحةِ التي توجَدُ مِن قبرِهِ، فقالَ: تلكَ رائحةُ التَلاوةِ والظَّمإ (¬٢).