يا قَوْمِ مَنْ أَظلَمُ مِن واعظٍ … خالَفَ ما قد قالَهُ في المَلا
أَظْهَرَ بينَ النَّاسِ إحسانَهُ … وبارَزَ الرَّحمانَ لمَّا خَلَا
العالِمُ الذي لا يعمَلُ بعلمِهِ مَثَلُهُ كمثَلِ المِصبَاحِ، يُضيءُ للنَّاسِ ويحرِقُ نفسَهُ. قال أبو العتاهية (¬١):
وَبَّخْتَ غَيْرَكَ بِالْعَمَى فأَفَدْتَهُ … بَصَرًا وأنتَ مُحَسِّنٌ لِعَمَاكَا
وفتيلَةُ المِصْبَاحِ تَحرِقُ نَفْسَها … وتُضيءُ لِلأَعْشَى وأَنْتَ كَذاكَا
المواعِظُ دِرياق (¬٢) الذُّنوبِ، فلَا ينبغِي أن يَسْقِيَ الدِّرياقَ إلا طبيبٌ حاذِقٌ معافى. فأَمَّا لَدِيغُ الهوَى فهو إلى شُرْبِ الدِّرياقِ أحوَجُ من أن يسقيَهُ لغيره.
في بعض الكتبِ السالفة: إذا أردتَ أن تعِظَ النَّاسَ فعِظْ نفسَكَ، فإِن تَّعَظَتْ، وإلَّا فاستَحِي مِنّي.
وغيرُ تقِيٍّ يأمرُ النَّاسَ بالتُّقَى … طَبيبٌ يُداوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقِيمُ
يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ (¬٣) غيرَهُ … هلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذَا التَّقْوِيمُ (¬٤)
فابْدأ (¬٥) بنفسِكَ فانْهَها عن غَيِّها … فإن انتَهَتْ عنه فأنتَ حَكِيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تقُولُ ويُقْتَدَى … بالقَوْلِ مِنْكَ ويَنْفَعُ التَّعلِيمُ
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأْتِيَ مِثلَهُ … عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (¬٦)