كشَفْتَ بالموعظةِ (¬١) قِناعَ قلبي، فأتمَّ (¬٢) عبدُ الواحد موعظته فمات الرجلُ (¬٣).
صاحَ رجلٌ في حَلْقَةِ الشِّبْليِّ (¬٤) فماتَ، فاسْتَعدَى أهلُه على الشِّبْليِّ إلى الخليفة، فقال الشِّبليُّ: نفسٌ رنت (¬٥) فحنتْ، فدُعِيتْ فأجابَتْ، فما ذَنْبُ الشِّبليِّ؟
فَكَّرَ في أفعالِهِ ثمَّ صَاحْ … لا خَيْرَ في الحُبِّ بغيرِ افْتِضَاحْ
قد جئتُكُم مستأمِنًا فارْحَمُوا … لا تَقْتُلوني قد رَمَيْتُ السِّلَاحْ
إِنَّما يصلحُ التأديبُ بالسوط من صحيحِ البدَنِ، ثابت القلبِ، قويّ الذراعينِ، فيؤلمُ ضربُهُ فيردَعُ. فأمَّا مَن هو سَقيمُ البدَنِ لا قوةَ له، فماذا ينفعُ تأديبُهُ بالضَّرْبِ.
كان الحسنُ إذا خرج إلى النَّاس فكأنَّه رجلٌ عايَنَ الآخِرَةَ، ثم جاء يُخبِرُ عنها. وكانوا إذا خرجُوا من عنده خرجُوا وهم لا يَعدُّون الدُّنيا شيئًا. وكان سفيان الثوريّ (¬٦) يتعزَّى بمجالسِهِ عن الدُّنيا. وكان أحمد لا تُذكَرُ الدُّنيا في مجالسه (¬٧)، ولا تذكَرُ عندَه. قال بعضهم: لا تنفَعُ الموعِظَةُ إلَّا إذا خرجَتْ مِن القلب، فإنَّها تصِلُ إلى القلب، فأمَّا إذا خرجَتْ من اللسانِ، فإنَّها تدخُلُ من الأُذُنِ، ثم تخرجُ من الأخرى. قال بعضُ السَّلَفِ: إنَّ العالِمَ إذا لم يُرِدْ بموعظتِه وَجْهَ اللهِ تعالى زلَّتْ موعِظَتُهُ عن القلوبِ كما يَزِلُّ القَطْرُ عن الصَّفا (¬٨). كان يحيى بنُ معاذ (¬٩) يُنشِدُ في مجالسِه:
مواعِظُ الواعِظِ لن تُقْبَلا … حتَّى تَعِيها نَفْسُه (¬١٠) أَوَّلا