يعنّف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقسا (¬١) في فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه، على أنه لو أطلق ما عقل الإغفار من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همّة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل (¬٢)، ويأخذ كظم ابن دغفل (¬٣)، ويصير شجى في حلق أبي العميثل (¬٤)، فإذا أدرك تلك البغية وجاءته (¬٥) بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره.
ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة