قلبه نظرها، وشبّها في جوانحه من خدودها المحمّرة نضرها. فألقى عندها عصا سفره، ولقي عندها منتهى ما يؤمّل من ظفره. وترك الحجّ كأنّه ما تعني [إلا] له من أقصى بلاده، ولا نوى [إلا] إليه السفر في رحلته وزاده. وقال فيها (¬١): [الكامل]
ورأت جفوني (¬٢) من نويرة كاسمها … نارا تضلّ، وكلّ نار ترشد!
والماء أنت، ولا يصحّ لقابض! … والنار أنت، وفي الحشا تتوقّد!
ولما طال مقامه، وقفت عليه وسألت عن سبب إقامته فقصّ عليها الخبر، ونصّ العبر. وأعلمها (¬٣) أنه، إنّما أتى ليحجّ، فلما رآها أقام، وتطلّب ما يعالج به السّقام. فقامت غير متباطية، [٢٨٢] ووثبت كالظبية العاطيه. وظنّت أنه لم يصب، وأنه مدّ لها شركه ونصب. فلما رأى ماراب من شفورها (¬٤)، وإعراض ظبيتها الأدماء وسرعة نفورها، أسال عبرته، ووالى حسرته. ثم قال (¬٥): [الطويل]
حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي … عن الرشإ الفرد الجمال المثلّث (¬٦)!
ولا تسأمي ذكراه، فالذّكر مؤنسي … وإن بعث الأشواق من كل مبعث
أحقّا وقد صرّحت مابي أنه … تبسّم كاللاهي بنا المتعبّث؟
وأقسم بالإنجيل إنّي لكاذب (¬٧) … وناهيك دمعي من محقّ ومحنث!