وذلك لأن النبل: اسم جمع للسهم، والمدى: جمع مدية؛ وهي السكين. فإن كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى؛ فسبقه لسانه إلى النبل؛ فبدل غلط. وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل، ثم تبين له فساد تلك الإرادة، وأن الصواب الأمر بأخذ المدى، فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول، ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى، وجعل الأول في حكم المتروك، فبدل إضراب وبداءٍ. والأحسن فيهن أن يؤتى ببل (¬١).
(¬١) لئلا يتوهم أن "مدى" صفة لنبل. والمعنى: نبلًا حادًا. وإذا أتي بـ"بل" خرج عن كونه بدلًا، وصار عطف نسق.
تتمة:
أ- لا يلزم موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والتنكير؛ فقد يكونان معرفتين؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾، بجر كلمة: ﴿اللَّهِ﴾، على أنها بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾، وقد يكونان نكرتين، كقوله ﷾: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. وقد تبدل المعرفة من النكرة؛ نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾. والعكس كقوله سبحانه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾، سورة العلق.
ب- أما الإفراد والتذكير وفروعهما؛ فإن كان بدل "كل" طابق متبوعه فيها، ما لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع؛ كأن يكون أحدهما مصدرًا لا يثنى ولا يجمع، كالمصدر الميمي في الآية السابقة: ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾، أو قصد التفضيل؛ كقول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلت
أما غيره من أنواع البدل فلا يلزم موافقته فيها.