المسألة الثّانية (١):
اختلفَ العلماءُ في القصرِ الّذي رفعَ اللهُ الجُنَاح فيه بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٢)، على خمسة أقوال:
الأوّل: أنّه أراد به القصر من طُولِ القراءة والرّكوع والسّجود، دون أنّ ينقص من عدد الرَّكعات عند الخوف قبل أنّ تنزل صلاة الخوف.
والقولُ الثّاني: أنّه (٣) القصر من حدود الرَّكعات (٤) بصلاتهم إيماءًا إلى القِبْلَةِ، وإلى غير القبلَةِ عند شِدَّةِ الخوف والتحام الحرب، كقوله في آية البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٥).
والقولُ الثّالث: أنّه القصر من أربع ركعات إلى ركعتين عند الخوف.
الرّابع: أنّه القصر من ركعتين إلى ركعة عند الخوف، وعلى هذا يأتي ما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ؛ أنّه صَلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعة ولم يقضوا (٦) (٧).
والخامس: أنّه القصر من أربع إلى ركعتين في السَّفَر من غير خوفٍ، على ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب؛ أنّه قال: سأل قومٌ من التُّجَّارِ رسول الله ﷺ: إنَّا نضربُ في الأرض، فكيف نصلِّي؟ فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وانقطعَ الوحيُ، فلمّا كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزَا رسولُ الله ﷺ فصلَّى الظُّهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابُه منَ ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ بين الصّلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية (٨)، فنزلت في صلاة الخوف (٩). ومن هنا قال بعض