وأمّا "طعام الأربعة يكفي الثمانية" فانفرد به من الصّحيح مسلمٌ، والمعنى فيه: ما حثَّ اللهُ عليه المؤمنَ من القناعةِ والاجتزاء باليسير، والتقلُّلِ من الغذاء والقصد فيه للقوّة؛ لأنّ المُؤمنَ يقصد في أكله المواساة وأنَّ الغالب من أحوال المؤمّن ألَّا يشبع، فإن شبع فنادرٌ.
وأمّا ما أورَدَهُ أهل الزّهد في فضيلة الجوع وذمّ الشّبع، فأمرٌ لا تحمله الدّواوين من عظمه وشأنّه، ولكن نسرد عليكم منه ما صحّ وما يصلح بالمؤمن أنّ يمتثله.
وبالجملة فإنّ الجوع محمودٌ على كلّ حالٍ، وإنّ الشّبع مذموم، وفي ذلك آثار حِسَانٌ؛ قال (١) رسولُ الله ﷺ: "جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإنّ الأجر في ذلك كأجر المجاهدة (٢) في سبيل الله، وأنّه ما من عمل أحبّ إلى الله تعالى من جوع وعطش" (٣).
وقال ابن عبّاس (٤): لا يدخل ملكوت السَّماء من ملأ بطنه (٥).
وقيل: يا رسول الله أيّ النَّاس أفضل؟ قال: "مَنْ قَلَّ طَعَامُهُ وضحكُه (٦)، وَرَضِيَ بِمَا يَسْتُرُ بِه عَورَتَهُ" (٧).
وقال ﷺ: "سيّد الأعمال الجوع، وذلّ النّفس لباس الصّوف" (٨).
وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ: "البسوا واشربوا، وكلوا في أنصاف البطون فإنّه جزء من النُّبُوَّةِ" (٩).