ثُمَّ هَادَنَ قُرَيْشًا عَامَ الحُدَيْبِيَّةِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ بِمَعُونَةِ أَخْلَافِهِمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ أَحْلَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خُزَاعَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ سَنَةَ ثَمَانٍ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ، وَكَانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَعُمْرَةُ القَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَكَانَ هَذَا الصُّلْحُ عَظِيمَ البَرَكَةِ، أَسْلَمَ بَعْدَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ (¬١): إِنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ بِقُوَّةِ عَدُوٍّ عَلَيْهِمْ - وَأَرْجُو أَنْ لَا يُنْزِلَهَا اللهُ بِهِمْ - هَادَنَهُمُ الإِمَامُ عَلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى مُدَّةٍ يَرْجُو إِلَيْهَا القُوَّةَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ مُدَّةَ أَهْلِ الحُدَيْبِيَّةِ الَّتِي هَادَنَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (¬٢):
لَا يَخْلُو حَالُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ إِرَادَةِ الهُدْنَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
* إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْمُوَادَعَةِ مَنْفَعَةٌ، فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُهَادِنَهُمْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَدِيمَ جِهَادَهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ (¬٣).