إِذَا هَاجَرَ لَم يَسأَل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن شَيءٍ، قَالَ: فَسَأَلتُهُ عَن البِرِّ وَالإِثمِ،
ــ
قلت: هذا كله حكاية أبي عبد الله المازري، والذي ذكره أبو عمر في نسبه أنه قال: النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن ربيعة الكلابي. وبين النسبين زيادة في الأجداد، وتغيير في الأسماء، فتأمله.
و(قوله: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي جاء منه، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكنا بها مع رسول الله ﷺ. وهذا يدل على أن الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وقد بين عذره في كونه لم يلتزم سكنى المدينة، وهو قوله: ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، أي: الأسولة (١) التي كان يسأل رسول الله ﷺ عنها، وإنما كان ذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة كانوا يكلفونه المسائل، لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن شيء، ولذلك قال: كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء. وقد تمم هذا المعنى أنس بن مالك حيث قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقد تقدَّم القول في ذلك.
و(قوله: فسألته عن البر والإثم) أي: عما يبر فاعله فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون لله تعالى. وعما يأثم فاعله، فيلحق بالآثمين، فأجابه النبي ﷺ بجواب جملي أغناه به عن التفصيل، فقال له: البر حسن الخلق يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كما قال: الحج عرفة (٢) ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان.