صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شيء. (١) كما كان يعبر عنه بالحرص على ملازمة الرسول ﷺ وخدمته، حيث كان لا يدع فرصة لخدمته ﷺ إلا اغتنمها، فمن ذلك أنه كان يحمل إداوة وضوئه ﷺ إذا أراد الوضوء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النبي ﷺ إِدَاوَةً لِوَضُؤئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". فَقَالَ: أَنَا أبو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: "أبغنى أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تأتني بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ". فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ: "هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الجنُّ، فَسَألونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ الله لهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا" (٢).
فمنذ قدم ﵁ مهاجرًا إليه ﷺ سنة سبع من الهجرة، يدور معه في بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه، فهذه الملازمة للنبي ﷺ جعلته يحضر ما لا يحضرون، ويشهد ما لا يشهدون.
فهل ينكر على مثل هذا لجمعه للسنة، وحفظه لها. أعلم أنه لا ينكر إلا من سلب عقله أو اتبع هواه.
الوجه الثاني: دعاء النبي ﷺ له بعدم النسيان.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إني أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثيرًا أنسَاهُ. قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيه ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. (٣) وعنه أيضًا أنه قال: إِنَّكُمْ تَقُوُلونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحدِيثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ. وَتَقُوُلونَ مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّ إِخْوَتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالهِمْ، وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي