حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في حَدِيثٍ يحدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مقالتي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ مَقَالتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شيء. (١)
وفي هذا فضيلة ظاهرة لأبي هريرة ﵁، ومعجزة واضحة من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة ﵁ بأنه كان يكثر منه ثم تخلف عنه ببركة النبي ﷺ. (٢)
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي ﷺ فقال: ادعوا.
فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّن النبي ﷺ، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا يُنسى فأمَّن النبي ﷺ فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله. فقال: سبقكما الغلام الدوسي. (٣)
الوجه الثالث: حرصه على العلم، ودعوة الناس إليه، وكثرة سؤاله للنبي ﷺ وشهادة الرسول ﷺ له بذلك.
لما كانت الأسئلة كما قيل: مفاتيح العلم؛ فإن أبا هريرة ﵁ كان من المكثرين لها الجريئين عليها، إذ كان يسأل النبي ﷺ عما يرى أنه محتاج للسؤال، طلبًا للعلم، واستزادة للمعرفة من نبعها الصافي، ومصدرها الأول رسول الله ﷺ. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قلت يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: لَقَدْ ظنَنْتُ يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ. (٤)