فقد حذر قرظة بن كعب من الإكثار من الرواية، عن قرظة بن كعب أنه قال: بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ صِرَارٌ، فَقَالَ أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: لَحِقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَلحِّقِّ الأَنْصَارِ، قَالَ: لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لممشاي مَعَكُمْ إِنَّكُمْ تَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ المرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ. (١)
الوجه الثاني: هذه القصة باطلة درايةً.
إن ظاهر القصة بهذا اللفظ يدل علي أنها من وضع الروافض الذين يريدون وسم عمر ﵁ بكراهته حديث رسول الله ﷺ، ثم شهادة الأثر نفسه على تناقضه، فتهديد عمر ﵁ لأبي هريرة بنفيه إلى أرض دوس بلاده، ألا لأنها لا تستحق نصح عمر وحمايته لها من أحاديث أبي هريرة إن كانت غير صحيحة، وغير الصحيح تحمى منه أرض دوس، كما يحمى عنه غيرها؟ ولو كانت أحاديث أبي هريرة غير صحيحة عند عمر ﵁؛ لنكل به بقطع لسانه، لا بنفيه إلى أرض قومه أو غيرها. (٢)
الوجه الثالث: قول عمر عن أبي هريرة أكذب المحدثين، ادعاء كاذب.
قال الدارمي: في الذب عن أبي هريرة ﵁: أدعيتم كذبًا على عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أكذب المحدثين أبو هريرة)، وهذا مكذوب على عمر فإن تك صادقا في دعواك فاكشف عن رأس من رواه، فإنك لا تكشف عن ثقة فكيف يستحل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرمي رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ بالكذب من غير صحة ولا ثبت، وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي" (٣).
فأي سب لصاحب رسول الله ﷺ أعظم من تكذيبه في الرواية عن رسول الله ﷺ؟ وإنه لمن أصدق أصحاب رسول الله ﷺ وأحفظهم عنه، وأرواهم لنواسخ أحاديثه،