ثانيًا: الالتفات من خطاب النبي ﷺ إلى خطاب الأمة.
ويجوز أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله: (ونذيرًا)، وتكون جملة: (لتؤمنوا باللَّه. . .) إلخ جملة معترضة، وتكون اللام في قوله: (لتؤمنوا) لام الأمر، وتكون الجملة استئنافًا للأمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (سورة الحديد: ٧). (١)
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا. .﴾ ثم قال: ﴿لِتُؤْمِنُوا. . .﴾ ومعناه: ليؤمن بك مَنْ آمن ولو قيل: ليؤمنوا؛ لأن المؤمن غير المخاطَب، فيكون المعنى: إنا أرسلناك ليؤمنوا بك، والمعنى في الأول يراد به مثل هذا، وإن كان كالمخاطب؛ لأنك تقول للقوم: قد فعلتم وليسوا بفاعلين كلهم؛ أي: فعلَ بعضكم، فهذا دليل على ذلك. (٢)
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ الخطاب للنبي ﷺ ذكره في معرض الامتنان عليه؛ حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهدًا على أعمال أمته ومبشرًا يعني: لمن آمن به وأطاعه بالثواب، ونذيرًا يعني: لمن خالفه وعصى أمره بالعقاب ثم بين فائدة الإرسال فقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فالضمير فيه للناس المرسل إليهم. (٣)
المخاطبة في قوله: إنا أرسلناك للنبي ﷺ فحسن: أرسلناك ليؤمنوا؛ لأن اللَّه سبحانه أرسله ﷺ ليؤمن به المؤمنون، والمعنى فيه -إن شاء اللَّه-: إنا أرسلناك يا محمد شاهدًا عليهم ومبشرًا بالجنة ونذيرًا من النار ليؤمن بك من آمن. . وقرأ الباقون بالتاء وحجتهم أنه خاطب المرسل إليهم بعد مخاطبة النبي ﷺ؛ إذ قال له: (إنا أرسلناك شاهدًا. . .) ثم صرف الخطاب بعد ذلك إلى المرسل إليهم فقال: لتؤمنوا بمعنى: فعلنا ذلك لتؤمنوا أيها الناس باللَّه ورسوله، فكأن الخطاب على هذه القراءة مجدد لمن أرسل إليهم بعد مخاطبة