فإن قلت: فكيف يتجه جريان قولٍ بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة، فإنَّ قصد القربة لا يُجامع استواء الطرفين؟
قلت: النبي ﷺ قد يُقدم على ما هو مستوي الطرفين؛ ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويُثاب ﷺ بهذا القصدِ وهذا الفعلِ وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قَصْدُ القربة بهذا الاعتبار (¬١)، ولا يتجه جريان القول بالإباحة إلا بهذا التقرير. على أنا لم نَرَ مِن المتقدمين مَنْ صرَّح بحكايته في هذا القسم، أعني: السادس، وهو ما ظهر فيه قصد القربة. نعم حكاه الآمدي ومَنْ تلقاه منه، ولا مساعِدَ للآمدي على (¬٢) حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمَنْ بعده.
الثامن: ما دار الأمر فيه بين أن يكون جبليًا وأن يكون شرعيًا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، فهل يُحمل على الجبلي؛ لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي؛ لأنه ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات؟
وهذا القسم قاعدة جليلة، وهي مُفْتَتَح كتابنا "الأشباه والنظائر"، وقد ذكرت في كتابي "الأشباه النظائر" أنه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر (¬٣)؛ إذ الأصل عدم التشريع،