قَالَ أَبُو حَفْصٍ: سَمعتُهُ يقُولُ: سُئِلَ ابنُ بَشَّارٍ لِمَ صَارَ الإمساك عن فَضْلِ الكَلامِ أَشَدُّ من الإمْسَاكِ عَن فَضْلِ الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الكَلام تَبقى مِدْحَتُهُ بَعْده، والطَّعَام تَزُول مَنْفَعَتُه بزَوَالِهِ، أَوْ كَمَا قَال.
قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ يَقُولُ: قَال ذو النُّون المَصْرِي: وُصِفَ لِي (¬١) رَجُلٌ بتاهَرْت (¬٢)، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رآنِي وَلَّى عَنِّي، فَنَادَيْتُه: بالَّذي وَهَبَ لَكَ مَا وَهَبَ إلَّا وَقَفْتَ، فَلَستُ أُطَوِّلُ عَلَيْكَ، كيفَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ مَعَ رَبُّكَ ﵎؟ قَالَ لِي: يَا فَتَى، كُنْتُ إِذَا عَمِلْتُ بِمَعْصِيَتِهِ صَبَرَ عَليَّ وتَأَنَّى بِي، فَإِذَا عَمِلْتُ بِطَاعَتِهِ زَادَنِي وأَعْطَانِي، وإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ قَرَّبَنِي وأَدْنَانِي، وإِذَا وَلَّيْتُ عَنْهُ صَوَّتَ بِي ونَادَانِي، وإِذَا وقَفْتُ لِفَتْرَةٍ رَغَّبَنِي ومَنَّانِي، فَمَنْ أَكْرَمُ مِنْ هَذَا مَأْمُولًا؟