يُجَارِي في حُكْمِهِ، ولَمْ تَقَعْ أَبْصَارُ أَهْلِ زَمَانِهِ عَلَى مَثْلِهِ؛ لأنَّ طيْنَتَهُ حُرَّةٌ، وعِرْقُهُ كَرِيْمٌ، وغَرْسُه طَيِّبٌ، ومَنْشَؤُهُ مَحْمُوْدٌ، وكَانَتْ أَفْعَالُهُ كأَخْلاقِهِ، وأَخْلاقُهُ كأَعْرَاقِهِ، وأَوَّلُهُ كآخِرِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ المُبْهَمِ الغَامِضِ من الأُمُورِ، ولا يَتَلَجْلَجُ اشتِبَاهُ المُشْكِلِ الصَّعْبِ في الصُّدُورِ، ولا يَعْرِفُ الشَّكَّ ولا العَيَّ، ولا الحَصَرَ عندَ مُنَاظَرَةِ المُخَالِفِيْنَ والمُوَافِقِيْنَ، ومُجَادَلَةِ المُتكلِّمِيْنَ، وسَائِرِ الفُقَهَاءِ المُخْتَلِفِيْنَ.
وَلقَد كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِس أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ (¬١) في مَنْزِلهِ، ويحضُرُهُ شُيُوْخُ الفُقَهَاءِ والمُتَكَلِّمِيْنَ المُتَابَيِنْيِنَ في الأُصُوْلِ والفُرُوْعِ. فَتَحْضُرُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَيَتَأْخَّرُ الكُلُّ ويأتمُّون (¬٢) بِصَلاتِهِ.
فَلْنَذْكُرِ الآنَ تَبْيِيْنَ مَنْهَجِ السَّلَفِ، وَمَا أُمِرُوا بِأَدَائِهِ إلى الخَلَفِ، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ وأَرْوَاحَهُمْ - لِبَعْضِهِم بمعونةِ اللهِ، ونَجتنب ما ذُم أَهْلِ البِدَعِ بسبَبِهِ، رَاجِيْنَ بذكرِهِ جَزِيْلَ الثَّوَابِ، مُتَوقِّيْنَ الخُرُوْجَ عن الصَّوَابِ، بَعْدَ تَعْرِيْفِكَ مَا عَسَى أَنْ تَلْقَّاهُ من ذوي