النَّظْرَةَ، فانْفَرَدْتُ في مَوْضِعٍ أستَغْفِرُ اللهَ وأَسأَلُهُ الإقَالَةَ أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا (¬١)، فَخَطَرَ في قَلْبي أَنْ زُرْ شَيْخَكَ الجُنَيْدَ، فانْحَدَرْتُ إلى بَغْدَادَ، فَلَمَّا جِئْتُ الحُجْرَةَ الَّتِي هوَ فِيْهَا طَرَقْتُ البَابَ، فَقَالَ لِي: ادْخُل يا أَبَا عَمْروٍ، أَتُذْنِبُ بالرَّحْبَةِ، ونَسْتَغْفِرُ لَكَ بِبَغْدَادَ؟ (¬٢).
وقَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ الجُرَيْرِيُّ (¬٣): كُنْتُ واقِفًا على رَأْسِ الجُنَيْدِ في وَقْتِ وَفَاتِهِ -وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ويَوْمَ نَيْرُوْزٍ، وهوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ- فَقُلتُ لَهُ: يا أَبَا القَاسِمِ، ارفِقْ بنَفْسِكَ، فَقَالَ: يا أَبَا مُحَمَّدٍ ما رَأَيتُ أَحَدًا (¬٤) أَحوجَ إِلَيهِ مِنِّي في هذَا الوَقْتِ، وهُوَ ذَا تُطوَى صَحِيْفَتِي.
وقَالَ الخُلْدِيُّ: رَأَيْتُ الجُنَيْدَ في النَّومِ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الإشَارَاتُ، وغَابَتْ تِلْكَ العِبَارَاتُ، وفَنِيَتْ تِلْكَ العُلُوْمُ، ونَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُوْمُ، وما نَفَعَنَا إلاَّ رُكَيْعَاتٌ كُنَّا نَرْكَعُهَا في الأسْحَارِ (¬٥).
وأَنْبَأَنَا الجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحمَّدُ بنُ المُنَادِي، قَالَ: ماتَ الجُنَيْدُ لَيْلَةَ النَّيرُوْزِ، ودُفِنَ من الغَدِ، وكانَ ذلِكَ في سَنَةِ ثمانٍ وتِسْعين ومَائتين.
١٥٨ - جَهْمٌ العُكْبَرِيُّ. (¬٦) صَحِبْ إِمَامَنَا أَحْمَدَ، وبِشْرًا الحَافِي.