في هبته كالكلب يعود في قيئه" (¬١) فقال الشافعي - وهو يرى أن له الرجوع -: ليس بمحرّم على الكلب أن يعود في قيئه.
قال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي ﷺ: "ليس لنا مثل السوء" فسكت - يعني الشافعي - فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه؛ فالظاهر أن الواهب إذا رجع، مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه، احتمالًا قويًا جدًّا.
فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدًّا؛ لأنه لم يبقَ معه إلا احتمال ضعيف قوّاه بالقرينة المذكورة، وهي قوله ﵊ في صدر الحديث المذكور: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو دليل قوي. وجعل ذلك مقدّمًا على المثل المذكور وهو دليل الاهتمام به.
فأفاد ذلك لغةً وعرفًا، أن الرجوع في الهبة مَثل سوء، وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة فيجب نفيه.
وهكذا لا يكون جائزًا للواهب الرجوع في هبته، لأن ذلك مثَلُ سوءٍ نفاه الشارع (¬٢).