وبيان ذلك أن الأئمة اختلفوا في وقوع طلاق المكره:
١ - فذهب الحنفية: إلى أن طلاقه واقع. وهذا القول مروي عن النخعي وابن المسيب، والثوري والشعبي، وعمر بن عبد العزيز (¬١).
والحجة في ذلك: أن الطلاق إذا صدر من الهازل وقع، كما دلّ على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جِدُّهن جِدُّ، وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَة" (¬٢) ووقوعه من الهازل دليل على عدم اشتراط القصد في الطلاق عند مباشرة سببه، والقصدِ إلى النطق به، وذلك شأن المكره؛ إذ في كليهما توافر لفظ الطلاق، ولم يقصد الناطق به معناه.
وما دام الأمر كذلك: فهو يقع من المكره، كما وقع من الهازل.
وهكذا يُرى أن الحنفية قد جنحوا إلى القياس فيما ذهبوا إليه؛ فقاسوا المكره على الهازل من حيث وقوعُ الطلاق، بجامع توافر لفظ الطلاق في كلتا الحالتين، وعدم قصد الناطق معناه (¬٣).
ويرى الكاساني أن عموم النصوص وإطلاقاتها تقتضي شرعية هذا الطلاق، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﷺ: "كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه" (¬٤).