منها، ولا سيَّما إذا كان ذا مالٍ وجمال؛ ولكنها تنقضي عنه اللذةُ، وتفارقُه هذه الحلاوةُ إذا تكامَل عقلُه، ورَجَح فهمُه، وقَوِيَ فِكرُه؛ فإنه لا يدري عند ذلك ما يَدْهَمُه من المرارات التي منها الندامةُ على ما اقترفه من معاصي اللَّه، ثم الحسرةُ على ما فوَّته من العُمر في غير طائل، ثم الكُربةُ على ما أنفقَه من المالِ في غير حِلَّه، ولم يَفُز منَ الجميع بشيء، ولا ظَفِر من الكل بطائل.
وتزدادُ حسرتُه، وتتعاظمُ كُربتُه إذا قاس نفسَه بنفسِ مَنْ اشتغل بطلب المعالي مِنْ أترابه في مُقتبَلِ شبابه؛ فإنه لا يزال عند موازنةِ ذاته بذاته وصفاتِه بصفاته في حسراتٍ متجددة، وزفَراتٍ متصاعِدة، ولا سيَّما إذا كان بيتُه في العلمِ طويلَ الدعائم، وسَلَفُه من المتأهِّلين لتلك المعالي والمكارم، فإنه حينئذٍ تَذهَبُ عنه سَكرةُ البطالة، وتنقشعُ عنه عَمايةُ الجهالة؛ بكروبٍ طويلةٍ وهُمومٍ ثقيلة، وقد فات ما فات، وحِيل بين العَير والنَّزَوان (¬١)، وحال الجَريضُ دون القَريض (¬٢) ..................................................