من التقصير بجانب الحق، والتعظيمِ لجانب الباطل؛ فلولا أن هؤلاء النفرَ لديه أعظمُ من الرب سبحانه، لَمَا مال إلى هواهم، وترك ما يعلم أنه مرادُ اللَّهِ سبحانه ومَطلَبُه من عباده! وكفاك بِهذه الفاقرةِ العظيمة، والداهية الجسيمة؛ فإن رجلًا يكون عنده فردٌ من أفراد عبادِ اللَّهِ أعظمَ قدرًا من اللَّهِ سبحانه، ليس بعد تجرُّئِهِ على اللَّه شيءٌ. أرشدنا اللَّهُ إلى الحق بحَوله وطَوْله.
ومن غريب ما أحكيه لك من تأثير هوى الملوك، والميلِ إلى ما يوافق ما يَنفُقُ عندهم: واقعةٌ معي مشاهَدةٌ لي وإن كانت الوقائع في هذا الباب لا يأتي عليها الحصر، وهى مودَعةٌ بطونَ الدفاتر، معروفةٌ عند من له خبرةٌ بأحوالِ مَنْ تقدَّم؛ وذلك أنه عَقد خليفةُ العصر حفظه اللَّهُ مجلسًا جَمَعَ فيه وُزراءَه، وأكابرَ أولاده، وكثيرًا من خواصِّه، وحضر هذا المجلسَ من أهل العلم ثلاثةٌ أنا أحدهم، وكان عقدُ هذا المجلس لطلب المشورة في فتنةٍ حدثت بسبب بعض الملوك، ووصولِ جيوشه إلى بعض الأقطار الإمامية (¬١)، وتخاذُلِ كثيرٍ من الرعايا، واضطرابِهم، وارتجافِ (¬٢) اليمَن بأسره بذلك السبب.
فأشرتُ على الخليفة بأنَّ أعظم ما يُتوصَّلُ به إلى دفع هذه النازلةِ هو العدلُ في الرعية (¬٣)، والاقتصارُ في المأخوذ منهم على ما ورد به الشرعُ،