يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فتَوضَّأَ مِنها، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نحوَهُ، قَالُوا: لَيسَ عِنْدَنا مَاءٌ نَتَوضَّأُ بهِ ونَشْربُ إِلَاّ ما في رَكْوَتِكَ، فوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ يَدَهُ في الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابعِهِ كَأَمْثَالِ العُيونِ، قَالَ: فشَرِبنا وتَوضَّأْنا، قيلَ لِجَابرٍ: كَمْ كُنْتُم؟ قَالَ: لوْ كُنَّا مِائةَ ألْفٍ لَكَفانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرةَ مِئَةً.
قوله: "فوضع النبي ﷺ يده في الرَّكْوَة، فجعل الماء يفورُ من بين أصابعه كأمثال العُيون"، (الرَّكْوَة): ظَرفٌ يُتوضأ منه ويُشرب فيه.
(جعل)؛ أي: طفق.
قال الحافظ أبو موسى: كلُّ شيءٍ جاشَ وغَلى فقد فَارَ، وفَارَ الماءُ من العَين.
قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] يقال: فَارَتِ القِدْر تَفُورُ فَورًا وفَوَرَانًا: إذا جَاشَتْ.
قوله: "كَمْ كُنتم؟ "، (كم): خبر مقدم؛ يعني: كَمْ رجلاً كنتم؟
* * *
٤٥٩٧ - وقَالَ البَراء بن عازِبٍ ﵁: كُنَّا معَ رَسُولِ الله ﷺ أَرْبَع عَشْرةَ مِئَةً يومَ الحُدَيْبيَةِ، والحُدَيْبيَةُ بِئرٌ، فنَزَحْنَاها، فلَمْ نترُكْ فيها قَطْرةً، فبلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ، فأَتَاها فجَلَسَ على شَفِيرِها، ثُمَّ دَعَا بإناءٍ مِنْ مَاءٍ فتوضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ ودَعا، ثُمَّ صَبَّهُ فيها، ثُمَّ قَالَ: "دَعُوها سَاعةً"، فأَرْوَوا أنفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حتَّى ارتَحَلوا.
قوله: "فَنَزَحْنَاها"، (النَّزْحُ): الاستقاء؛ أي: استقينا ما في الحديبية.
قوله: "على شَفِيرها"، (الشَّفِير): الطَّرف، الضمير في (شفيرها) يعود إلى الحديبية.