فها هنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به (¬١) بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل (¬٢). ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع.
ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها (¬٣) وتضمنها (¬٤) لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له (¬٥) أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن مَن أحاط علمًا (¬٦) بمقاصدها ووضعها مواضعها (¬٧) وحَسُنَ فهمه فيها: لم يحتج معها إلى (¬٨) سياسة غيرها ألبتة.
فإن السياسة (¬٩) نوعان (¬١٠): سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها،