والسبب الظاهر - الذي لا يُخْبِر الرُّسُل بأمثاله لِرُخْصِهِ (¬١) عند النَّاس، ومعرفتهم له من غيرهم - هو مفارقته للمَأْلَفِ (¬٢) والعادةِ التي كان فيها إلى أمرٍ غريبٍ، فإنَّه ينتقل من جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ، ومكانٍ لم يَأْلَفْهُ، فيستوحش من مفارقته وَطَنَهُ ومَأْلَفَهُ.
وعند أرباب الإشارات أنَّ بكاءَهُ إرهاصٌ (¬٣) بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف، وأنشدوا في ذلك:
ويَبْكِي بها المولودُ حتَّى كأنَّهُ … بكُلِّ الذي يلْقَاهُ فيها يُهَدَّدُ
وإلَّا؛ فما يُبْكِيهِ فيها، وإنَّها … لأَوْسَعُ مِمَّا كانَ فيهِ وأَرْغَدُ؟ (¬٤)
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كَفِّهِ عند خروجه إلى الدنيا، وفي فتحها عند خروجه منها، وهو الإشارة إلى أنَّهُ خرج إليها مركَّبًا على الحِرْصِ والجَمْع (¬٥)، وفَارَقَها صِفْر اليدين منها، وأنشدوا في ذلك: