وقيل (¬١): مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصالٍ فيه وخصائص أهلًا لكرامته (¬٢) وتقريبه، فلا يكون أقربُ منه منزلةً إليه، ولا ألطف محلًّا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، بحيث يسمع به، ويبصر به، ويطَّلع على سرِّه.
والمقصود: أنَّ الربَّ سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلُّق بالخلق، وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه.
قال (¬٣): (وهم ثلاث فرقٍ: فرقةٌ قبضهم إليه قبضَ التوقِّي، فضنَّ بهم على أعين العالمين).
هذا الحرف في (التّوقِّي) (¬٤) بالقاف من الوقاية (¬٥)، وليس من الوفاة. أي: سترهم على (¬٦) أعين النّاس وقايةً لهم وصيانةً عن ملابستهم، فغيَّبهم عن أعين الناس، فلم يطلعهم عليهم، وهؤلاء أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، ولعلَّهم الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المرء غنمًا يتبع بها شَعَف الجبالِ ومواقع القَطْر» (¬٧)، وقوله: «ورجلٌ معتزلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يعبد ربَّه، ويدع الناس من