الأفعالَ بعين الحسن والقبح، فرأى منها الطَّاعةَ والمعصيةَ، فإذا ترقَّى إلى شهود الحقيقة الأولى ــ وهي الحقيقة الكونيَّة ــ ورأى شمولَ الحُكمِ الكونيِّ للكائنات وإحاطتَه بها، وعدمَ خروج ذرّةٍ منه (¬١) عنه= زال عنه استقباحُ شيءٍ من الأفعال، وشهدها كلَّها طاعاتٍ للأقدار والمشيئة. وفي مثل هذا الحال يقول: إن كنت عصيتُ الأمرَ، فقد أطعتُ الإرادةَ (¬٢)، ويقول:
أصبحتُ منفعلًا لما تختاره ... منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ (¬٣)
فإذا ترقّى مرتبةً أخرى، وزال عنه الفرقُ بين الرَّبِّ والعبدِ ــ كما زال عنه في المرتبة الثّانية الفرقُ بين المحبوب والمسخوط، والمأمور والمحظور ــ قال: ما ثَمَّ طاعةٌ ولا معصيةٌ، إذ الطّاعةُ والمعصيةُ إنَّما يكونان بين اثنين ضرورةً؛ والمطيعُ عينُ المطاع (¬٤)، فما هاهنا غيرٌ! فالوحدةُ المطلقةُ تنفي الطَّاعةَ والمعصيةَ. فالصُّعودُ من وحدة الفعل إلى وحدة الوجود يزيل (¬٥) عنه ــ بزعمه ــ توهُّمَ الانقسام إلى طاعةٍ ومعصيةٍ، كما كان الصُّعودُ من تفرقة