الوجه الثاني أيضا أن الحاكم إذا حكم بَعدَ نظره واجتهاده فهو منشئ للحكم، فكان حكمه كحكم الله تعالى في الواقعة ابتداءً، والمفْتِي إنما هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى بالحكم، فيثبت مقتضاه إذا وافق أنْ كان خبرُه صِدْقا، وإلَّا فلا، وكل واحد من المجتهدين حينئذ، أعني قبل الحكم - يقوُل: خَبَري هُوَ الصِّدْقُ، والآخَرُ يقُوُل كذلك. ثم إذا كان الامر هكذا، يصير حكْمُ الحاكم كالحكم من الله في تلك القضية المعَيَّنة بخصوص، ويبقى ما عدا تلك الصورة كأنه ورَد من الله تعالى فيها حكم عام، فيتعَارض العامُّ والخاصُّ، فَيُخَصَّصُ ذلك العامُّ بذلك الخاصِ جمْعاً بيْن الدليلين.
ومثال هذا مسألة تعليق الطلاق قبل المِلْكِ، قال مالك بلزومه، وقال الشافعي: لا يلزم، فإذا حكم حاكمٌ في تلك القضية بأنه غير لازم وبقيت العِصْمةُ ثابتة وافق مالكٌ االشافعي في أن هذه العصمة ثابتة ولا طلاق في تلك الصورة، وما عدا تلك الصورة يقول مالك فيها: إن الطلاق يلزم، واللهُ سبحانه أعلم، وهو الموفّق للصواب. (٥)