فجعل للمعْصية رُتَباً: كُفْراً، وفُسوقا وهو الكبيرة، وعصيانا وهو الصغيرة. ولو كان المعنى واحداً لكان اللفظ في الآية متكررا، وهو خلاف الأصل.
إذا تقرر هذا فنقول: الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عصَى، بل من جهة المفْسَدة الكائنة في ذلك الفعل. فالكبيرة ما عظُمَتْ مفسدتها، والصَّغيرة ما قلّتْ مَفْسدَتها، ورُتَبُ المفاسد مختلفة، وأدنى رُتبها يترتب عليها الكراهية، ثم تترقى حتى تكونَ أعظم رَتب الكراهَة دون الأدْنى من رتب المحرَّمات، ثم تترقى حتى تكون أعلى رتَب الكبائر، يليها الكفر.
إذا تقرر هذا فالكبيرة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وهي ما ثَبت أنها كبيرة بالكتاب أو السُّنة أو بالإِجماع، أو كان قد رُبِط بها حدّ من الحدود، كقطع السرقَة وجَلْد الشرُّب ونحوِهما، أو ما كان فيه وعيد صريح من الكتاب أوْ السنة، فإذا كان (٥٣) هكذا نَنْظر ما ليس فيه هذا، فإن تساوى أدناه (مفسدةً) ورجح عليه في المفْسدة ألحقناه به ورددْنا به الشهادة، وما وجدناه قاصراً عن أدنى الكبائر جعلناه صغيرة لا تَقْدَح. (٥٤) في العدالة، ولا تُوجب فسوقا إلا أن يُصِرّ عليها فتكون كبيرة.