ومن هذا البابِ الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الصلاة تسعا وتسعين (٧) فيفعل مائةً، ووردَ صاعٌ في زكاة الفطر، (٨)، فيزيد هو في هذا، وذلك استظهارٌ على الشارع، وقلةُ أدَب معه، بل شأنُ العظماءِ من أهل الدنيا إذا حدَّدوا شيئا أن يوقَفَ عنده، والخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أشد في المنع، لأنه سبب لأن يُعتقَدَ أن الواجب الأصْلُ والمزيدُ عليه.
(٧) عن كعب بن عُجْرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: مُعَقِّبَاتٌ لا يَخيب قائلهن أو فاعلهنَّ: ثلاث وثلاثون تسبيحةً، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة في دُبُر كل صلاة". وسُميتْ هذه الكلماتُ معَقباتٍ لأنها تقال عقب الصلاة وإثر الانتهاء منها. رواه كل من الأئمة: مسلمٌ والترمذي والنسائى ﵏.
وفي معناه حديث أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهبَ أهل الدثور (أي الأموال) بالدرجات والنعيم المقيم، يُصَلون كما نُصلى، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعْتقون ولا نَعتق، فقال رسول الله ﷺ: أفلا أعَلِّمكم شيئا تدركون به مَن سَبَقكم، وتسبقون به مَنْ بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم، إلا من صنع مثلَ ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسوَل الله (أيْ دُلّنَا على ذلك وأرْشِدْنا إليه) لنعمل به، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دُبُرَ كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلْنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". رواه كل من أئمة الحديث: البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي ﵏، وزاد أبو داود: "وتختمها بلا إلاه إلا الله وحْده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ".
قلتُ: ويظهر أنه لا منافاةَ بين ما جاء في الحديث الأول من كون التكبير أربعاً وثلاثين ومن وجه الاستدلال به على عدم الزيادة في عدد هذه الكلمات، ولا بين ما في هذا الحديث الثاني من كون التكبير ثلاثا وثلاثين مرة، لأن الرواية كذلك وردت في الأول، ولأنه يمكن فهم التكبيرة الرابعة والثلاثين، على أن المراد بها كلمة الهيللة، بما يشمل التهليل والتكبير بكلمة لا إلاه إلا الله، والله أكبر. فليتأمل ذلك وليُحقَّق، والله أعلم.
(٨) عن عبد الله بن عمرَ ﵄ قال: فَرضَ رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد، والحر والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمَر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، (أي صلاة العيد). حديث صحيح رواه أئمة الحديث ﵏ ورضي عنهم أجمعين.