وقد أنجزَ اللَّه هذا الوعدَ، فقال لمحمَّدٍ ﷺ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقال لنا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وهو نصبٌ على الإغراء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: قال إبراهيم: يا رب، واجعل مِن ذرِّيَّتي أيضًا أئمَّةً.
والذُّرِّيَّة: الأولاد، فُعْلِيَّة (¬١) مِن الذَّرِّ، أو فُعُّولَةٌ (¬٢) مِن الذَّرءِ (¬٣)؛ أي: الخلق، تُرِك همزُها في اللَّفظ، كما في البَرِيَّة والخابِيَة.
و (مِن) للتجنيس هاهنا، لا للتبعيض (¬٤)؛ أي: اجعلْهم كلَّهم أَئِمةً يُقتَدَى بهم، وهذا شفقةٌ منه على أولاده على الخصوص؛ أُكْرِمَ بكرامةٍ فأحبَّ أن يُشارِكَهُ فيها أولادُه، وشفقةُ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ كانت في درجةِ الكمال، أُكرم ليلةَ المعراج بالسَّلامِ والرَّحمةِ والبركة، فقال: "السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّه الصَّالحين" (¬٥)،