وأصحابَه ﵃ كانوا يصلُّون بمكَّة إلى الكعبةِ سنتين، فلمَّا هاجرَ أُمِر أنْ يُصلِّيَ نحو بيت المقدس، فقالت اليهود: يزعمُ محمَّد أَنَّه نبيٌّ، وما نُراهُ أحدثَ في نبوَّتِه شيئًا، أليس يُصلِّي إلى قبلتِنا، ويَستنُّ بسنَّتِنا، فإن كانت هذه نُبوَّةً، فنحن أقدمُ وأوفرُ نصيبًا، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ وشَقَّ عليه، وزادهُ اللَّهُ شوقًا إلى قِبلة الكعبة، فأتاهُ جبريلُ، فقال له النبيُّ ﷺ: "وَدِدتُ أنَّ اللَّهَ يَصرِفني مِن قبلةِ اليهودِ إلى غيرها، فإنِّي أبغضُهم وأُبغِضُ موافقتَهم"، فقال جبريل: ليس لي من الأمرِ شيءٌ، وإنما أنا عبدٌ، فعرج (¬١)، وخرجَ (¬٢) رسولُ اللَّه ﷺ إلى الصَّحراء نحو أُحدٍ، يصلِّي هاهنا ركعتين، وهاهنا ركعتين (¬٣) ويدعو اللَّه تعالى أن يجيزَه (¬٤) في ذلك.
فلم يَزل كذلك يُديم النَّظرَ إلى السماء حتَّى دخلَ ناحيةَ أُحد، فأنزلَ اللَّهُ تعالى في (¬٥) رجب بعد زوال الشمس: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن قبلة بيتِ المقدسِ، وصارت الكعبةُ قبلةَ المسلمين إلى نفخ الصُّور.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ردٌّ على المعتزلة، لأَنَّه أخبرَ أنَّه يَهدي مَن يشاء، فدلَّ أنَّ اهتداءَ العبدِ بهدايتِه (¬٦)، وعندَهم ليس كذلك، بل قالوا (¬٧): قد يشاءُ هُدى العبدِ فلا يهتدي.