والشَّافعيُّ ﵀ يَحمِلُهُ على العفو المطلق مِن وليِّ القتيل، ويجعلهُ موجِبًا للدِّيَة، ويقول: الواجب في القتل العمدِ أحدُ شيئين؛ إمَّا القصاصُ وإمَّا الدِّيةُ، ويتخيَّر فيهما (¬١) الوليُّ (¬٢).
وله قولٌ آخر أنَّ الواجبَ هو القصاصُ عينًا، وللوليِّ أن يعدل عنه إلى الدِّيةِ، ويَحمِلُ هذه الآية على موافقةِ مذهبه، ويقول: معناه: فمن عُفِيَ له، هو القاتل، عُفيَ عنه القصاصُ، فللعافي اتَّباعُ القاتلِ بالدِّية، وعلى القاتلِ أداءُ الدِّيةِ إليه بإحسان.
وهذا لا وجهَ له؛ لأنَّه قد استوفى كلَّ حقِّه، فكيف يكون عافيًا؟ ولو كان عافيًا (¬٣) إذا ترك القصاص وأخذَ الدِّيةَ؟! كان كذلك إذا استوفى القصاصَ وتركَ الدِّية، وهذا بعيد.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: شَرعُ العفوِ، وشَرعُ الصُّلح على مالٍ: تخفيفٌ مِن اللَّه ورحمةٌ (¬٤)؛ فإنَّه على مرادِ العبد ورضاه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفوُ لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ (¬٥)، والعفوُ حسنٌ، والصُّلح جائزٌ، على حسب ما يراه العبدُ أنفعَ له، وأشفى لقلبه (¬٦)، وأوفقَ لمراده.