جزاءَ على العدوان إلَّا لمن كان مِن أهلِ الظُّلم والعدوان، وجزاءُ العُدوان ليس بعُدوانٍ على الحقيقة، لكنَّه جزاء الحق (¬١)، وجزاءُ الشَّيء يُسمَّى باسمِه كما مرَّ في ذكرِ الخداع والاستهزاء في أوَّل هذه السُّورة.
وقيل: معنى قوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: إلَّا على الذين ارتدُّوا فصاروا ظالمين، فيجازَون بذلك، فعلَّمَهم اللَّهُ ما يفعلون بالمشركين إن هُم صدُّوهم عن المسجد الحرام، فلم يصدُّوهُ، ووفَّوا له، فلم يتعرَّض لهم.
* * *
(١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وكانوا شرطوا له -أي: المشركون (¬٢) - بعد قضاء العمرة الإقامةَ بمكَّة ثلاثًا، وكان النبيُّ ﷺ تزوَّج ميمونةَ بنت الحارث، فأحبَّ المُقام بمكَّة ليُولِم عليها، فطالبوهُ بالخروج عنها، والوفاءِ بما عاهد، ففعل، وأولمَ على ميمونة وبَنى بها بسَرِف (¬٣)، وكان دخولهُ مكَّة للعمرة في ذي القَعدة، وكانوا صدُّوهُ في العام الماضي عن المسجدِ الحرام في ذي القَعدة، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذو القَعدة من هذه السَّنة قصاصٌ بذي القَعدة من العام الماضي.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الحَرَم، وحُرمةُ الإحرامِ، وحرمة الشهر الحرام في السنة الأولى صارت مهتوكةً، بمنعهم عن إتمام عمرتهم، وصارت مؤداةً مراعاة في هذه السَّنة قصاصًا.