وقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ أي: توفَّاه وأبقاه كذلك مئة سنة ثم أحياه، وبعضهم حملَه على الإنامة ثم الإيقاظِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] تحرُّزًا عن القول بالزيادة على حياتين وموتين، لكن الظاهر هو الأول، فكان هذا إماتةَ (¬١) عبرةٍ لا انقضاءَ مدةٍ، كإماتة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ونحوِ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ قيل: قال ذلك نبيٌّ كان حينئذ، وقيل: كان ملك (¬٢)، وقد روِّينا أنه ناداه مناد من السماء.
وقيل: حدَّثته نفسُه بذلك، وأجاب بخاطره في نفسه (¬٣): كم لبثتَ؛ أي (¬٤): كم مكثت هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾؛ لأنه نام (¬٥) ضحًى وأُحْيِيَ وقد أمسى، ثم تفكَّر أنه لم يُتمَّ (¬٦) النهار فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، ودلَّ ذلك على أن القول بغلبةِ الظنِّ عند فَوْتِ اليقين جائزٌ، وكذا قال أصحاب الكهف: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لِمَا قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ﴾ وإثباتٌ لِمَا بعده وهو ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾.