وأرادوا به المحاجَّة [بالموافقة] في أحد الوقتَيْن عليهم، أن يقولوا: لا نزال ننتقل مِن دينٍ إلى دينٍ، فلا نأمَنُ البقاء على دينٍ، وإنَّ مَن لزم الدِّين الأوَّل أحقُّ بالموافقة، وأنكروا جواز نسخِ الشَّرائع (¬١).
وفي نَظْم الآية غموضٌ، ولأهل التَّفسير فيه وجوهٌ:
قال مقاتلٌ: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا للسَّفِلة: لا تصدِّقوا بالنبوَّة إلَّا لمن تبعَ دينكم اليهوديَّةَ، وصلى إلى قبلتكم بيتِ المقدس؛ فإنَّه لن يُؤتَى أحدٌ من النَّاس مثلَ ما أوتيتم من التَّوراة والمنِّ والسَّلوى، واثبتوا على دينكم، ولا تخبروا أحدًا بأمر محمَّدٍ ﵇ فيحاجُّوكم به عند ربِّكم، ﴿قُلْ﴾ يا محمَّدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: دينُ اللَّه (¬٢) الإسلامُ، وقبلةُ اللَّه الكعبةُ، و ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ جوادٌ أعطى محمَّدًا النُّبوَّةَ والرِّسالةَ، وأكرمَ أمَّته بنبيِّه ﷺ ﴿عَلِيمٌ﴾ بخَلْقه (¬٣).
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّه.
وقيل: تقديرُه: ولا تؤمنوا أن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم (¬٤) وأنْ يحاجُّوكم عندَ ربِّكم في القيامةِ؛ أي: لا يُعطى أحدٌ مثلَ (¬٥) ما أُعطيتم، ولا حجَّة عليكم لأحد، فلا تصدِّقوا أن أصحاب محمد أهدى منكم فيحاجُّوكم بدينهم (¬٦) في الآخرة عندَ ربكم.