لم يؤدِّها إلَّا بعد طول (¬١) التَّقاضي والإشفاقِ من سوء القالة، فلا يجوز لكم أن تدَّعوا الفضلَ لأنفسِكم وهذا وصفُكم، وإذا كان هذا لذمِّهم (¬٢) كيف يجوز مدحُ الواحد منهم بأداء الأمانة الجليلة؟
والدَّليلُ على أن التَّفضيل على هذا الوجه قولُه تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلم يميِّزْ مِن المذمومين إلَّا المؤمنين، وقد ذكرنا عن الكلبي كذلك.
وقال مقاتلٌ: الأوَّلون عبد اللَّه بن سلامٍ وأصحابه، والآخرون الكفَّار من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه (¬٣).
وقال القتبي: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: مواظبًا على التَّقاضي، ووصفُه بالقائم عليه (¬٤) استعارةٌ؛ لأنَّ الطَّالب (¬٥) للشَّيء يقوم فيه، والتَّاركَ له يقَعد عنه، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ونحو ذلك (¬٦).