والحكمة في ذلك: أنه لو أظفر المؤمنين أبدًا ولم ينلهم (¬١) كربٌ ولا نكبةٌ في حربٍ، وكان الكفار مقموعين أبدًا، لسَقَط الاختيار ولآمنوا بالاضطرار، فبطل الثواب والعقاب وزال التكليف والخطاب.
وليس معنى المداوَلة: التسويةَ بين الفريقين في النُّصرة فينصرَ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً كما توهَّم بعضهم، ألا ترى أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، ولو كان معنى المداولة ما توهَّموه لكان يمحِّص هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، ويمحقُ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، وهو خلافُ ما أَخبر اللَّه تعالى به، بل هو على ما بينَّاه.
وقيل: معنى المداولة: أنه يُدِيل المؤمنين إذا أطاعوه على الكافرين بقذف الرعب في قلوبهم، ويُديل الكفار على المؤمنين برفع هذا الرعب من (¬٢) قلوبهم إذا عصاه المؤمنون، فأَخبر أنه ينتقم من الفريقين إذا عصَوْه، غيرَ أن انتقامه من أوليائه تأديبٌ لهم لئلا يعودوا إلى مخالَفة أمره (¬٣)، وانتقامَه من الكفار سخطٌ وعذابٌ بما أشركوا به.
وقيل: المداولة بما في الدنيا من السلامة والعافية والرخاء والسرور وضدِّ ذلك، وأحوالُ الدنيا ليست على الدوام، ويستوي في ذلك الأولياء والأعداء، والحكمة فيه: إزعاج الناس إلى الطاعة وتعريفُهم حقارة الدنيا لتقلَّ رغباتهم فيها وثقتهم (¬٤) بها، ويرغبوا في الآخرة الباقية الفاخرة.