والتدقيق، وَجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرهم، وكان الخَلَفُ لهم (¬١) الحقَّ عند نهاية أمرهم، فما زاغُوا عن شرط الجهد ولا راغُوا (¬٢) في حفظ العهد، وسلَّموا تسليمًا، وخرجوا عن الدنيا وكان (¬٣) كل واحدٍ منهم للعهد مستديمًا، وعلى شرط الخدمة والودِّ مستقيمًا، وما قالوا من الدعاء فقد تحقَّقوا بحقائق المعاني، وتحرَّسوا (¬٤) عن إظهار الدعاوي، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا في مواقف الاستحياء، فكانوا (¬٥) كما قيل:
يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافُها... فكأنما حسناتُه آثامُ (¬٦)
* * *
(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾.
قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: أي: أعطاهم جزاءهم في الدنيا الظَّفرَ والنصرَ والغنيمة، والمدحَ والتعظيم والحرمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: الجنة والنعمة والقربة والرؤية، وذكرُ الحُسْنِ في ثواب الآخرة دونَ الدنيا؛ لصِغَر أمر الدنيا وحقارتها، وانقطاعِ ما فيها.
ثم إنما عَطف قولَه تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ على قولهِ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ -والإيتاءُ هو الإعطاء، وثوابُ الآخرةِ للحال غيرُ معطًى- لأن معنى الإيتاء