فأمَّا الجمع بين الجلد والرَّجم فقد قال به بعضُ النَّاس بهذا الحديث، وعند عامَّة العلماء يرجَم المحصَن ولا يجلَد؛ لحديثِ ماعزٍ فإنَّ النبيَّ ﷺ رجمَه من غير جلدٍ، ولحديث العَسيفِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لأُنيس: "اغدُ على (¬١) امرأةِ هذا، فإنِ (¬٢) اعترفَتْ بالزِّنى فارجمْها" (¬٣)، ولم يقلْ: فاجلدها ثم ارجمها.
فانتسخَ هذا الحديثُ بذلك في حقِّ الجلدِ، أو هو محمولٌ على حالَتَيْن (¬٤)، وهو أنَّ الثَّيِّبَ الَّذي لم يجتمعْ فيه شرائطُ الإحصان يُجلَد، وإذا (¬٥) كان محصَنًا يُرجم.
فأمَّا الجمعُ بين الجلد والنَّفي في غير المحصَن فقد قال (¬٦) به الشَّافعي لهذا الخبر.
ونحن قلنا: لا يُنفى؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، جعل الجلدات كلَّ الحدِّ، وفي ضمِّ النَّفي إليها جعلُ الجلداتِ بعضَ الحدِّ، وهو نسخٌ، وهذا الحديث انتسخَ بهذه الآيةِ، وعندَ مَن لا يرى نسخَ القرآنِ بالسُّنَّة: آيةُ الحبسِ نُسخَتْ بآية الجلدِ، لا بهذا الحديث.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا تنافيَ بينَ الجلد والحبس، فكيف يُنسَخ هذا بذاك، بل انتسخَتْ هذه الآيةُ بهذا الخبر، وهو جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما يقولُ فهو وحيٌ من اللَّه تعالى، فهو نسخٌ لِمَا ثبتَ بالوحي (¬٧).