وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرأ أهلُ المدينة (¬١) وعاصمٌ وأبو عمرٍو بتاء المخاطبة (¬٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقرأ أهلُ الكوفة بياء المغايبة (¬٣)، كما في أول هذه الآية.
والفتيلُ قد فسَّرناه في هذه السورة بتفسيرين، يقول: مَن اتَّقى اللَّه (¬٤) لم يُظلَم شيئًا، وإن قلَّ عمله، بل يُضاعَفُ ثوابُه، فأنتم إذا اتَّقيتم اللَّه، وجاهدتُم عدوَّه بأمرِه، لم يَبطُلْ سعيُكم.
وقوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: كخشيتهم للَّه، كقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ أي: كحبِّهم للَّه.
وقال الكلبيُّ: نزلت هذه الآيةُ في عبد الرحمن بنِ عَوْف، والمقدادِ بن الأسود، وقدامةَ بنِ مظعون، وسعدِ بن أبي وقَّاص، كانوا مع النبيِّ ﷺ قبل أنْ يُهاجروا إلى المدينة يَلقون مِن المشركين الأذى، فيَشتَكون إلى رسولِ اللَّه ﷺ ذلك، ويقولون: ائذن لنا في قتالِهم؛ فإنَّهم آذونا، فقال لهم رسولُ اللَّه ﷺ: "كفُّوا أيديكم؛ فإنِّي لم أؤمر بقتالهم"، فلمَّا أُمِروا أنْ يسيروا إلى بدرٍ؛ كره ذلك طلحة بن عبيد اللَّه وجماعةٌ وقالوا: ربَّنا لم كتبتَ علينا القتالَ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (¬٥).