فإنَّك كما لا يُقارِبكَ (¬١) أحدٌ في رتبتكَ؛ لعلوِّك على الكلِّ، لا نكلِّفُ (¬٢) غيرَك (¬٣) بمثل ما تُكلَّف (¬٤)، ولا نصرِّفُ (¬٥) سواكَ فيما تُصرَّف؛ لانفرادِكَ عن أشكالِك، وتوحُّدِكَ عن أمثالِك (¬٦).
وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُثَّهم على الجهادِ بذكرِ الثَّوابِ والعقاب، أو (¬٧) بما فيه من إعزازِ الدِّين وذبِّ الأعداء عن حوزةِ المسلمين، أو بوعدِ النُّصْرة والغنيمةِ والتَّمكين (¬٨)، أو بما ذُكِر بعدَه، وهو قولُه (¬٩) تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و ﴿عَسَى﴾ مِن اللَّه واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريمُ إذا أطمَعَ أنجزَ، والكَفُّ: المنع، والبأسُ في الأصل: المكروه، ثمَّ يُوضَع موضعَ الحرب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وكان جُبنهُم لشِدَّة بأسِ الكفَّار، فأمرَه بالتَّحريضِ بهذا الإطماع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أي: بأسُ اللَّهِ الذي يوقِعُه بالمخالفين أمرَهُ أشدُّ، وتنكيلُه -أي: تعذيبُه- كذلك، وهو الإبلاغ في العقوبةِ على وجهٍ يَقعُ به نكولُ الغيرِ عن مثل تلك الجناية، ويجوز أن يكونا جميعًا في الدُّنيا،