ويجوزُ أن يكون أحدُهما في الدُّنيا، والآخرُ في الآخرة (¬١)، ثمَّ له ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّ معناه أنَّ عذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن جميعِ ما يَنالُكم بقتالِهم؛ لأنَّ مكروهَهم يَنقطعُ، ثمَّ يَصيرون إلى الجنَّة، وما يَصِلُ إلى المنافقينَ والكفَّار مِن عذابِ اللَّه تعالى يَدومُ ولا يَنقطِع.
والثَّاني: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ، فهو أولَى أنْ يُخَاف، فلا (¬٢) يجري في أمرِه بالقتال منكم خلافٌ، وهذا وعيدٌ.
والثَّالثُ: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ؛ فهو يَدفعُهم عنكم، ويَكفيكُم أمرَهم، وهذا وعدٌ (¬٣).
وقال الكلبيُّ: لمَّا (¬٤) التقى النبيُّ ﷺ وأبو سفيانَ يومَ أُحُدٍ، وكان منهم ما كان؛ رجعَ أبو سفيان إلى مكَّةَ، وواعدَهُ النبيُّ ﷺ موسمَ بدرٍ الصُّغرى؛ وهو سوقٌ يقوم في ذي القعدة، فلمَّا جاء الميعادُ؛ قال النبيُّ ﷺ للناس: "اخرجوا إلى العدوِّ"، فكرهوا ذلك؛ فنزلت هذه الآية، فقامَ النبيُّ ﷺ على المنبرِ خطيبًا، وقال في خطبته: "لا أبالي مَن نصرني ومن خَذلني بعد ما قال اللَّهُ تعالى لي: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، ثمَّ نزلَ ولَبِسَ السِّلاحَ، وخرجَ واتَّبعَهُ سبعون راكبًا، حتَّى أتى موسمَ بدرٍ، وكفَّ اللَّه بأس الذين كفروا، ولم يوافِ أبو سفيان، ولو لم يتبعْ رسولَ اللَّه ﷺ أحدٌ؛ لمضى بنفسِه، حين قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وقد بَيَّنَّا تلك القصَّة عند قوله ﷿: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢].